
تتواصل المساعي الأمريكية والدولية لدفع اتفاق بشأن نزع سلاح قطاع غزة ونقل إدارة القطاع إلى حكومة فلسطينية تقنوقراطية، بالتزامن مع استمرار الخلافات بشأن الانسحاب الإسرائيلي وآليات تنفيذ الاتفاق، فيما تتفاقم الأوضاع الإنسانية والميدانية في القطاع، وسط تحذيرات من أزمة حادة في منظومة الأكسجين بالمستشفيات.
وفي أبرز التطورات السياسية، أفاد باراك رافيد، نقلاً عن مصدر مطلع على تفاصيل الاجتماع، بأن قادة حركة حماس أكدوا مجدداً خلال اجتماع مع مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، جاريد كوشنر، في مدينة العلمين المصرية يوم الأحد، التزامهم بتجريد أنفسهم من الأسلحة ونزع سلاح قطاع غزة.
وقال المصدر إن الاجتماع استمر نحو 90 دقيقة ووصفه بأنه “إيجابي جداً”، موضحاً أن هدفه كان التأكد من استعداد حماس لاتخاذ خطوات عملية لتنفيذ التزاماتها المتعلقة بنزع سلاح القطاع. وأضاف أن قادة الحركة أكدوا التزامهم وطلبوا نقل رسالة إلى الرئيس ترامب بهذا الشأن، في حين شدد الجانب الأمريكي على أن المطلوب هو “جهود حقيقية وليس مجرد كلمات”، مؤكداً أن كوشنر كان حريصاً على الحصول على هذا الالتزام منهم بصورة شخصية.
وخلال الاجتماع، عبّر قادة حماس عن إحباطهم من السياسة الإسرائيلية في غزة، بما في ذلك استمرار الهجمات. ووفق المصدر، ذكّر كوشنر قادة الحركة بأنهم استغرقوا أربعة أشهر للموافقة على تجريد أنفسهم من السلاح.
وأكد كوشنر، بحسب المصدر، أن التحدي كبير، لأن الجانب الإسرائيلي لا يعتقد فعلياً أن حماس ستتخلى عن أسلحتها، مشيراً إلى أنه أبلغ قادة الحركة بأنه لا مجال للتفاوض بشأن جوهر مسألة نزع السلاح، لكنه أكد في المقابل أن الولايات المتحدة ستضمن وفاء إسرائيل بالتزاماتها إذا بدأت حماس تنفيذ خطوات حقيقية.
كما أبلغ قادة حماس كوشنر استعدادهم لنقل السيطرة المدنية في غزة إلى الحكومة الفلسطينية التقنوقراطية عندما تصبح جاهزة لبدء عملها في القطاع، مع التزامهم بعدم التدخل في عملها.
وشكر كوشنر قادة حماس على تعاونهم وعلى الجهود المبذولة لإعادة جثامين جميع الأسرى الإسرائيليين الذين قُتلوا، فيما أعرب قادة الحركة عن شكرهم لإدارة ترامب ومجلس السلام على الجهود المبذولة لتحسين الوضع الإنساني في غزة خلال الأشهر الأخيرة.
والتقى كوشنر وفريقه كذلك بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وبشكل منفرد مع أعضاء الحكومة الفلسطينية التقنوقراطية. وقال السيسي، وفق المصدر، إن جزءاً كبيراً من حالة عدم الاستقرار في المنطقة خلال السنوات الأخيرة يعود إلى الوضع في غزة، مؤكداً أن استقرار القطاع من شأنه أن يسهم في استقرار المنطقة بأكملها.
ومن المتوقع أن يصل كوشنر إلى إسرائيل اليوم الاثنين للقاء رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لبحث ما وصفها مصدر مطلع على التفاصيل بـ”خطوات متوازية” يفترض أن تتخذها إسرائيل.
وبحسب تفاصيل إضافية عن اجتماع العلمين، شارك إلى جانب كوشنر كل من الممثل الأعلى في مجلس السلام نيكولاي ملادنوف، ورئيس الوزراء البريطاني السابق وعضو المجلس توني بلير، فيما مثّل حماس رئيس مكتبها السياسي خليل الحية. كما شارك رئيس جهاز الاستخبارات المصرية اللواء حسن رشاد، والوزير القطري علي الذوادي، ومسؤول تركي كبير.
وقال مصدر مطلع على الاجتماع إن الهدف كان “ترجمة” الالتزامات التي تعهدت بها حماس في إطار اتفاق نزع سلاح غزة إلى خطوات عملية وملموسة يمكن التحقق من تنفيذها.
وتشمل هذه الخطوات، وفق المصدر، الحفاظ على وقف إطلاق النار في غزة، والبدء بنقل جميع سلطات الحكم إلى الحكومة الفلسطينية التقنوقراطية، وضمان عدم تولي حماس أي دور في إدارة غزة مستقبلاً.
ويريد مجلس السلام، بحسب المصدر، أن تبدأ حماس عملية تفكيك أدوات القتال والبنى التحتية العسكرية، وأن تسمح بانتشار القوة الدولية للاستقرار، وأن تساعد في جهود إعادة إعمار غزة وبنائها من جديد، مع منع سرقة مواد الإعمار أو تخويف الفلسطينيين المشاركين في هذه الجهود.
وفي المقابل، يريد مجلس السلام أن تنفذ إسرائيل “انسحابات متوازية” من غزة في حال بدأت حماس بالتخلي عن سلاحها، إضافة إلى تسريع إدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع.
وبحسب الطرح المطروح، يتعين على حماس التنازل عن سلطات الحكم وعن جميع أدوات القتال والبنى التحتية العسكرية التابعة لها، على أن لا تعود غزة، وفق التصور المطروح، “مصدراً للإرهاب ضد إسرائيل”.
وفي الموقف الإسرائيلي، نقلت تقارير عن تسفي يحزكيلي قوله إن اجتماع كوشنر مع حماس يمثل “إهانة لإسرائيل”، معتبراً أن الاجتماع بحد ذاته يمثل انتصاراً لحماس ويمنحها تدريباً وشرعية.
كما أفادت يديعوت أحرونوت بأن كوشنر من المتوقع أن يطرح خلال لقائه نتنياهو سلسلة خطوات تطلب الولايات المتحدة من إسرائيل تنفيذها فوراً، تشمل وقف الهجمات على القطاع، والانسحاب إلى “الخط الأصفر”، وزيادة كبيرة في إدخال المساعدات، إلى جانب إتاحة المجال أمام إحراز تقدم في آليات إعادة الإعمار والحكم المدني في غزة.
ونقلت تقارير إعلامية عن غاي عزرائيل في قناة i24، نقلاً عن مصدر قريب من مجلس السلام، أن فرص التوصل إلى اتفاق خلال لقاء نتنياهو وكوشنر مرتفعة، وأن الفجوات بين مواقف الطرفين بشأن خارطة الطريق ليست كبيرة ويمكن جسرها.
في المقابل، تقول أوساط مقربة من نتنياهو إن الفجوات لا تزال كبيرة، ولا سيما بشأن الانسحاب الإسرائيلي إلى الخط الأصفر. فبينما ينص الاتفاق، وفق هذه الرواية، على انسحاب تدريجي للجيش الإسرائيلي من مناطق محددة بعد التأكد من خلوها من السلاح وأي بنية تحتية عسكرية، تقول إسرائيل إنها لن تنسحب إلى الخط الأصفر قبل نزع سلاح حماس وتجريد القطاع من السلاح بشكل كامل.
وتبرز كذلك قضية مصير الأسلحة؛ إذ تشير إحدى صيغ الاتفاق إلى تخزين السلاح داخل غزة، بينما تصر إسرائيل على تدميره، متسائلة عن الجهة التي ستضمن التزام حماس بتعهداتها. كما تعارض إسرائيل، وفق التقرير، مشاركة تركيا وقطر في لجنة مراقبة تنفيذ الاتفاق.
ونقل المصدر عن مجلس السلام تأكيده المضي “بإصرار” نحو تنفيذ خارطة الطريق، والاستماع إلى مخاوف الأطراف ومشكلاتها والعمل على معالجتها بهدف إنجاز الاتفاق، مشيراً إلى أن الجميع متفق على الهدف النهائي، والمتمثل في نزع سلاح حماس وتجريد القطاع من السلاح وتخلي الحركة عن سلطتها في غزة، سواء تم ذلك “بالطريقة الجيدة” أو “بالقوة”.
وفي التطورات السياسية الإسرائيلية الداخلية، بدأت صباح اليوم الانتخابات التمهيدية داخل حزب الليكود، الذي يتزعمه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لاختيار قائمة الحزب المرشحة لانتخابات الكنيست المقبلة المقررة في أكتوبر/تشرين الأول.
ويشارك نحو 140 ألفاً من منتسبي الليكود في الانتخابات التمهيدية، التي توصف بأنها الأكثر حساسية داخل الحزب منذ سنوات، في ظل تقديرات بأن المنافسة على المقاعد المتاحة قد تطيح بعدد من الوزراء وأعضاء الكنيست الحاليين.
وتجري الانتخابات وسط توتر داخل الحزب، على خلفية قرار نتنياهو تثبيت وزيري الأمن والخارجية يسرائيل كاتس وغدعون ساعر، وعضو الكنيست حاييم كاتس، في مواقع متقدمة ومضمونة في قائمة الحزب من دون خوض الانتخابات التمهيدية، الأمر الذي أثار اعتراضات بين عدد من المرشحين والمنتسبين.
وقالت صحيفة هآرتس إن الانتخابات التمهيدية في الليكود تحولت إلى وسيلة للانتقام من المعارضين لنتنياهو وساحة لتصفية الحسابات داخل الحزب.
ميدانياً، أفادت مصادر محلية بإصابة ثلاثة فلسطينيين جراء قصف مدفعي استهدف شرق حي التفاح ومحيط موقف الشجاعية شرق مدينة غزة فجر اليوم.
كما سُجل تحليق وجهد استخباري مكثف ومتواصل لطيران الاستطلاع بمختلف أنواعه في أجواء مناطق متفرقة من قطاع غزة.
وفي حادث منفصل، وصل المواطن أحمد أبو عجاج، البالغ من العمر 20 عاماً ومن سكان مدينة رفح، إلى مستشفى شهداء الأقصى جثة هامدة، إثر تعرضه لصعقة كهربائية أثناء وجوده داخل إحدى الشاليهات في منطقة الزوايدة وسط القطاع.
كما أُعلن عن وفاة محمد عدنان بشير متأثراً بإصابته جراء استهداف سابق في شارع البركة بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة.
وفي ملف انتشال جثامين الضحايا، قال المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة محمود بصل، في تصريحات خاصة لوكالة صفا، إن طواقم الدفاع المدني تمكنت من انتشال 170 جثماناً من تحت أنقاض 17 بناية منذ انطلاق المرحلة الثانية من مشروع انتشال الضحايا قبل 51 يوماً.
وأوضح أن المرحلة الأولى من المشروع أسفرت عن انتشال نحو 300 جثمان، ليصل إجمالي عدد الجثامين التي انتشلتها الطواقم منذ وقف إطلاق النار إلى نحو 470 جثماناً.
وأشار إلى أن نحو 8 آلاف جثمان لا تزال عالقة تحت أنقاض المباني المدمرة في مختلف أنحاء القطاع.
وأضاف أن الطواقم انتشلت أمس جثماني شهيدين من تحت أنقاض منزل عائلة المغربي، وجثمان شهيد ثالث من تحت أنقاض منزل عائلة العوضي، فيما تتواصل عمليات البحث عن بقية الجثامين المفقودة تحت أنقاض منزل عائلة العوضي.
كما أنهت طواقم الدفاع المدني، أول من أمس، انتشال 21 جثماناً من تحت أنقاض منزلي عائلتي غربية والبطنيجي في مدينة غزة.
وبحسب بصل، فقد خصص الاتفاق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر 800 ساعة عمل لطواقم الدفاع المدني لتنفيذ عمليات انتشال الجثامين، إلا أن حجم الدمار وعدد الضحايا تحت الركام يتطلبان وقتاً وإمكانات أكبر بكثير.
وتواجه الطواقم تحديات كبيرة في الوصول إلى الجثامين، في ظل الحاجة إلى معدات ثقيلة لإزالة كميات ضخمة من الركام، فيما طالب الدفاع المدني المجتمع الدولي والجهات المختصة بالتحرك العاجل لتوفير ساعات عمل إضافية ومعدات ثقيلة بما يسمح بمواصلة عمليات الانتشال.
وفي الجانب الإنساني والصحي، قال مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة، في تصريحات خاصة لوكالة صفا، إن إسرائيل تمارس حملة تضليل واسعة تجاه الوسطاء والمجتمع الدولي، متهماً إياها بمواصلة ارتكاب ما وصفها بجرائم الإبادة والقتل الممنهج والاغتيالات بحق المدنيين في قطاع غزة.
وقال الثوابتة إن إسرائيل لم تلتزم بما أعلنته في الرابع من أغسطس/آب الجاري بشأن وقف القصف، بل صعّدت هجماتها، مشيراً إلى تسجيل 180 خرقاً ميدانياً.
وأضاف أن هذه الخروقات أسفرت، وفق المعطيات التي أوردها، عن استشهاد تسعة فلسطينيين وإصابة 59 آخرين بجروح مختلفة، إلى جانب اعتقال 14 مدنياً.
واتهم الثوابتة إسرائيل بتعمد عرقلة إدخال المساعدات وتشديد الخناق على سكان القطاع، وقال إن نسبة الالتزام بإدخال شاحنات الغذاء والمستلزمات الأساسية لم تتجاوز 35%، في حين سُمح بمرور 36% فقط من أعداد المسافرين والمرضى المتفق عليها.
وحمل المكتب الإعلامي الحكومي إسرائيل المسؤولية الكاملة عن تدهور الأوضاع المعيشية والإنسانية في قطاع غزة، مطالباً المجتمع الدولي والوسطاء بالتدخل الفوري وممارسة ضغط فعّال لإلزام إسرائيل بوقف القصف والالتزام بنص الاتفاق.
وفي تطور صحي بالغ الخطورة، أعلنت وزارة الصحة في غزة أن أزمة تعطل محطات توليد الأكسجين وخروج معظمها عن الخدمة تهدد القطاع الصحي، في ظل منع إدخال قطع الغيار والمعدات الفنية اللازمة للصيانة.
وقالت الوزارة إن الأزمة تهدد القدرات التشغيلية المتبقية للمستشفيات، وتضع حياة عشرات المرضى والأطفال في الأقسام الحساسة والمنقذة للحياة أمام خطر مباشر.
وأوضحت أن 72 وحدة عناية مركزة تواجه خطر التوقف وشلل الخدمات بسبب النقص الحاد في إمدادات الأكسجين، فيما تواجه 54 وحدة للأطفال الخدج خطراً يهدد حياة حديثي الولادة داخل الحضانات نتيجة صعوبة الحفاظ على مستويات الأكسجين المطلوبة.
كما تعاني 19 وحدة عناية للأطفال من تراجع قدرتها على تقديم الرعاية التنفسية اللازمة للحالات الحادة والمزمنة.
وأشارت الوزارة إلى أن غالبية محطات إنتاج الأكسجين أصبحت خارج الخدمة، بينما تعمل المحطات المتبقية فوق طاقتها القصوى وفي ظل ظروف ميكانيكية معقدة.
وطالبت وزارة الصحة بفتح عاجل ومباشر للمعابر لإدخال قطع الصيانة والمعدات الفنية اللازمة، محذرة من أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى كارثة صحية شاملة في القطاع.
